أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
83
العقد الفريد
ألا لا يلمني في العقار « 1 » جليسي * ولا يلحني في شربها بعنوس تعشّقها قلبي فبغّض عشقها * إليّ من الأشياء كلّ نفيس وأين هذا الاختيار من اختيار عمرو بن بحر الجاحظ ، حين اجتلب ذكره في كتاب الموالي ، فقال : ومن الموالي الحسن بن هانئ ، وهو من أقدر الناس على الشعر ، وأطبعهم فيه ؛ ومن قوله : فجاء بها صفراء بكرا يزفّها * إليّ عروسا ذات دلّ معتق فلما جلتها الكأس أبدت لناظري * محاسن ليث بالجمال مطوّق ومن قوله : ساع بكأس إلى ناس على طرب * كلاهما عجب في منظر عجب قامت تريك وشمل الليل مجتمع * صبحا تولّد بين الماء والعنب كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها * حصباء درّ على أرض من الذهب وجلّ أشعاره في الخمريات بديعة لا نظير لها ، فخطرفها كلها وتخطاها إلى التي جانسته في برده ، فما أحسبه لحقه هذا الاسم « المبرّد » إلا لبرده ؛ وقد تخيّر لأبي العتاهية أشعارا تقتل من بردها ، وشنّفها « 2 » وقرّطها « 3 » بكلامه ، فقال : ومن شعر أبي العتاهية المستظرف عند الظرفاء ، المتخير عند الخلفاء ، قوله : يا قرّة العين كيف أمسيت * أعزز علينا بما تشكّيت وقوله : آه من وجدي وكربي * آه من لوعة حبي « 4 » ما أشدّ الحبّ يا سبحانك اللهمّ ربّي !
--> ( 1 ) العقار : الخمر . ( 2 ) شنفها : زيّنها . ( 3 ) يقال قرّط الجارية : أي ألبسها القرط . ( 4 ) الكرب : الحزن .